ابن بطوطة

409

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط جمع ، منقطع عن الجبال ، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض ، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة رضي اللّه عنها ، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه ، وحوله سطح فسيح يشرف على بسيط عرفات ، وفي قبليّه « 229 » جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيها النّاس وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تنسب إلى آدم عليه السلام ، وعن يسارها الصّخرات التي كان موقف النبي صلى اللّه عليه وسلم عندها ، وحول ذلك صهاريج وجباب للماء ، وبمقربة منه الموضع الذي يقف فيه الإمام ويخطب ويجمع بين الظهر والعصر ، وعن يسار العلمين للمستقبل أيضا وادي الأراك ، وبه أراك أخضر يمتد في الأرض امتدادا طويلا . وإذا حان وقت النّفر أشار الإمام المالكي بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتج لها الأرض وترجف الجبال فياله موقفا كريما ، ومشهدا عظيما ، ترجو النفوس حسن عقباه ، وتطمح الآمال إلى نفحات رحماه ، جعلنا اللّه ممن خصه فيه برضاه . وكانت وقفتي الأولى يوم الخميس سنة ست وعشرين « 230 » ، وأمير الركب المصري يومئذ أرغون الدوادار « 231 » نائب الملك الناصر ، وحجت في تلك السنة ابنة الملك الناصر ، وهي زوجة أبي بكر بن أرغون المذكور ، وحجّت فيها زوجة الملك الناصر المسماة بالخوندة ، وهي بنت السلطان المعظم محمد أوزبك ملك لسرا وخوارزم ، وأمير الركب الشامي سيف الدين الجوبان « 232 » . ولما وقع النفر بعد غروب الشمس وصلنا مزدلفة عند العشاء الآخرة فصلينا بها المغرب والعشاء جمعا بينهما حسبما جرت سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولما صلينا الصبح بمزدلفة غدونا منها إلى منى بعد الوقوف والدعاء بالمشعر الحرام ، ومزدلفة كلّها موقف إلا وادي محسّر ففيه تقع الهرولة حتى يخرج عنه . ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار ، وذلك مستحب ، ومنهم من يلقطها

--> ( 229 ) بلاحظ أن كلمة ( قبلية ) سبق قلم وإذما هي غربيّ بسيط عرفات . . . ( 230 ) كانت وقفتي في حجتي الأولى يوم الاثنين 9 ذي الحجة 1378 - 15 يونيه 1959 وقد صادفت ذكرى ميلادي الثامنة والثلاثين . . . وقد سجلت في مذكراتي وقتها التّنويه بدقة النظام الذي ضبط تحرك تلك الأمواج البشرية الهائلة على اختلاف شرائحها الاجتماعية . . . ومن لا يشكر الناس لا يشكر اللّه ! يراجع التعليق رقم 119 . ( 231 ) سلطان مغولي كان يحكم جنوب الروسيا 712 - 742 - 1312 - 1341 . وقد تزوج الملك الناصر بابنته تولونبگ Tulunbeg عام 720 - 1320 لكنها طلقت بعد ثمان سنوات . . ( 232 ) القصد إلى جوبان المنصوري المتوفى بدمشق عام 728 - 1328 ( الدرر 2 ، 78 . 79 )